من سكسونيا-أنهالت إلى برلين ... انتخابات إقليمية قد تعيد رسم المشهد السياسي في ألمانيا
4.09.2026, 12:00
من: ميشائيل فيشر وتيريزا مونش
برلين 4 سبتمبر/أيلول (د ب أ) - لا تتجاوز نسبة الناخبين المؤهلين للتصويت في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية 3% من إجمالي الناخبين في ألمانيا، لكن الانتخابات المقررة يوم الأحد المقبل في هذه الولاية الواقعة شرقي البلاد تتجاوز بكثير حدودها الجغرافية؛ فنادرا ما حظيت انتخابات برلمان ولاية بهذا القدر من الاهتمام على المستويين الوطني والدولي، في ظل ما قد تحمله نتائجها من تداعيات تتجاوز سكسونيا-أنهالت إلى المشهد السياسي في العاصمة برلين.
وما يجعل هذه الانتخابات تكتسب أهمية تتجاوز حدود الولاية هو أن جمهورية ألمانيا الاتحادية قد تشهد خلالها للمرة الأولى في تاريخها وصول حزب مصنف على أنه يميني متطرف إلى السلطة على مستوى إحدى الولايات. وفي الوقت نفسه، قد تتحول النتيجة إلى اختبار صعب للحزب المسيحي الديمقراطي، الذي يتزعمه المستشار فريدريش ميرتس على المستوى الاتحادي، كما قد تزيد الضغوط على المستشار نفسه وأيضا على قيادة شريكه في الائتلاف الحاكم على المستوى الاتحادي، الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
كيف يمكن إذن أن تكون الانتخابات خطيرة على ميرتس والحزب المسيحي الديمقراطي؟
تطرح الانتخابات ثلاثة سيناريوهات محتملة بالنسبة إلى الحزب المسيحي الديمقراطي:
سيناريو "مرت الأمور بسلام مجددا": وفيه يحقق الحزب المسيحي الديمقراطي أفضل نتيجة بعد حزب "البديل من أجل ألمانيا"، وتكفي أصواته مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر لتشكيل أغلبية حكومية في الولاية. وهذا هو السيناريو الذي يتمناه الحزب المسيحي الديمقراطي، لكن لم يعد أحد يتوقعه فعليا؛ إذ لم تتجاوز نسبة الأحزاب الثلاثة مجتمعة 37% في استطلاعات الرأي منذ بداية العام.
سيناريو "زلزال حزب البديل من أجل ألمانيا": وفيه يحصل حزب "البديل من أجل ألمانيا" على الأغلبية المطلقة ويشكل حكومة الولاية بمفرده برئاسة أولريش زيجموند. ومن وجهة نظر أحزاب الائتلاف الحاكم على المستوى الاتحادي، سيكون ذلك كارثة على صعيد المجتمع وسياسة الدولة. لكن مثل هذا الزلزال قد يعزز تماسك الائتلاف الحاكم في برلين، انطلاقا من مبدأ أن تيار الوسط يجب أن يصمد أمام ضغط اليمين المتطرف.
لكن بالنسبة إلى الحزب المسيحي الديمقراطي، ستكون هذه على الأرجح واحدة من أشد الهزائم الانتخابية مرارة منذ خسارته انتخابات البرلمان الاتحادي (بوندستاج) عام 2021، وستُحمَّل المسؤولية عنها بدرجة كبيرة للمستشار ميرتس الذي يواجه بالفعل وضعا سياسيا صعبا.
وقد نأى رئيس الحكومة الحالي لولاية سكسونيا-أنهالت والمرشح الرئيسي للحزب المسيحي الديمقراطي في الولاية، سفين شولتسه، بنفسه بوضوح عن الحزب على المستوى الاتحادي خلال الحملة الانتخابية، ومن المرجح بدرجة كبيرة أن يحمل المسؤولين في برلين مسؤولية هزيمة محتملة، وهو ما قد يعني أن ميرتس - رئيس الحزب والحكومة - قد يضطر وحده إلى تحمل المسؤولية عن النتيجة. وعندما تصاعد الاستياء داخل الحزب من قرارات ميرتس المتعلقة بتعيين مناصب قيادية في الحكومة والحزب قبل العطلة الصيفية، لم يهب أحد لمساندته. ولم يعد أمام ميرتس منفذ لتخفيف الضغط مع استنفاده ورقة التغييرات في المناصب خلال التعديلات الأخيرة.
سيناريو "الاختبار الصعب": وفيه يفشل حزب "البديل من أجل ألمانيا" في تحقيق الأغلبية المطلقة، لكن الحزب المسيحي الديمقراطي لا يستطيع في الوقت نفسه تشكيل حكومة إلا إذا أشرك فيها حزب "اليسار" أو حزب "البديل من أجل ألمانيا". وكان المؤتمر العام للحزب المسيحي الديمقراطي أصدر قرارا في عام 2018 يحظر التعاون مع هذين الحزبين.
ولا يميز القرار بين الحزبين، لكن هناك في الواقع تدرج في التعامل معهما. فقد لجأت حكومتا الأقلية بقيادة الحزب المسيحي الديمقراطي في ولايتي سكسونيا وتورينجن بالفعل في بعض الحالات إلى التعاون مع حزب "اليسار". ومن المرجح أيضا أن يبذل شولتسه بعد الانتخابات قصارى جهده لتشكيل حكومة بعيدا عن حزب "البديل من أجل ألمانيا"، ولو بمساعدة حزب "اليسار".
وقد يضع ذلك الحزب المسيحي الديمقراطي أمام اختبار صعب، إذ لا يزال كثيرون داخل الحزب في شرق ألمانيا ينظرون إلى حزب "اليسار" باعتباره وريثا لحزب الوحدة الاشتراكي الألماني الذي حكم جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية)، بل إن بعضهم يصفه بـ"حزب حراس الجدار". وإذا تآكل الحاجز السياسي أمام اليسار، فإن ذلك قد يساهم في بروز أصوات داخل الحزب المسيحي الديمقراطي تدعو باستحياء حتى الآن إلى هدم الحاجز أمام اليمين. وقد يؤدي ذلك إلى خروج الوضع عن السيطرة، بل يرى البعض أن أسوأ السيناريوهات قد يتمثل في انقسام الحزب.
كيف يمكن أن تكون الانتخابات خطيرة أيضا على قيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي؟
المعنويات داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي سيئة، شأنها شأن نتائجه الانتخابية منذ تولي لارس كلينجبايل وبيربل باس قيادة الحزب: فقد حقق الحزب أسوأ نتيجة تاريخية له في ولاية بادن-فورتمبرج بحصوله على 5ر5% من الأصوات، كما خسر منصب رئيس الحكومة في ولاية راينلاند-بفالتس، وتراجعت شعبيته في استطلاعات الرأي على مستوى ألمانيا إلى 12 و13%، خلف حزب الخضر.
سيناريو "الانهيار الكامل": في انتخابات سكسونيا-أنهالت قد يشهد الحزب الاشتراكي الديمقراطي للمرة الأولى في تاريخه خروجا من برلمان إقليمي. ورغم أن استطلاعات الرأي الأخيرة، التي تمنح الحزب بين 8 و9%، لا تشير إلى احتمال خروجه من البرلمان، فإن الاشتراكيين الديمقراطيين لا يستطيعون الاطمئنان تماما، إذ من المرجح أن يحصل الحزب على أصوات فقط لأسباب تكتيكية، وليس اقتناعا به.
وسيكون الخروج من برلمان الولاية بمثابة دعم لأولئك الذين يطالبون منذ أسابيع بتغيير قيادة الحزب. ويقول أعضاء في القاعدة الحزبية إن باس بصفتها وزيرة العمل وكلينجبايل بصفته نائب المستشار ووزير المالية ليس لديهما ما يكفي من القوة لإدارة الحزب، وعليهما أن يقررا: هل يكونان رئيسي الحزب أم وزيرين؟ لكن لم يطرح أي منافس نفسه لقيادة الحزب حتى الآن.
سيناريو "أكثر من 5%": وفيه يحصل الاشتراكيون الديمقراطيون على أكثر من 5%، وعندها من المرجح للغاية أن يعودوا إلى حكومة الولاية؛ فكلما زاد عدد الأحزاب الصغيرة التي تدخل برلمان الولاية، قل احتمال تشكيل حزب "البديل من أجل ألمانيا" حكومة بمفرده.
لكن هذا المزاج السيئ لن ينقلب إلى نقيضه بين عشية وضحاها، حيث تستشعر قيادة الحزب أن قاعدته بحاجة إلى متنفس، وهو ما قد يتم تحقيقه في البداية عبر لقاءات مع قيادات الحزب في مختلف أنحاء ألمانيا، بما يتيح للأعضاء التعبير بصراحة عن آرائهم.
ما العواقب المترتبة على ذلك؟
إذا دارت نقاشات حول عواقب محتملة تتعلق بشاغلي المناصب القيادية، فمن المرجح ألا تبدأ هذه النقاشات إلا بعد موعد الانتخابات الإقليمية المقرر في 20 سبتمبر/أيلول، والتي ستجرى في ولايتي برلين وميكلنبورج-فوربومرن. وتحمل الانتخابات في هاتين الولايتين بدورها تداعيات كبيرة.
ويواجه الحزب المسيحي الديمقراطي في ولاية برلين خطر فقدان منصب عمدة العاصمة، وربما لصالح حزب "اليسار". وفي ميكلنبورج-فوربومرن، قد يهبط الحزب المسيحي الديمقراطي - إذا ساءت الأمور إلى أقصى حد - إلى ما دون 10% ويحتل هناك المركز الرابع. وهناك قد تُطرح أيضا مسألة تعاون الحزب مع "اليسار" لمحاولة تشكيل حكومة بعيدا عن حزب "البديل من أجل ألمانيا".
وبحسب نتيجة الانتخابات، قد يزداد الضغط الداخلي للحزب على ميرتس، وقد يعود النقاش حول تغيير المستشار في منتصف الدورة التشريعية.
أما بالنسبة إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، فإذا خسرت رئيسة حكومة ميكلنبورج-فوربومرن، مانويلا شفيزيش، منصبها، فقد يصبح الوضع شديد الصعوبة بالنسبة إلى رئيسي الحزب الاشتراكي الديمقراطي على المستوى الاتحادي، بما قد يدفعهما إلى الاستقالة. ويرى البعض أن شفيزيش قد تكون مناسبة عندئذ لقيادة الحزب. وإذا فازت في ميكلنبورج-فوربومرن، فمن المرجح أن يحصل كلينجبايل وباس على مهلة إضافية، على الأقل حتى انتخابات برلمان ولاية شمال الراين-ويستفاليا المقررة في أبريل/نيسان 2027، التي كانت في السابق معقلا للاشتراكيين الديمقراطيين.
ومن السيناريوهات غير المرجحة إلى حد ما أن ينهار الائتلاف الحاكم على المستوى الاتحادي بعد الانتخابات، والسبب بسيط: فمن المرجح أن يصبح حزب "البديل من أجل ألمانيا" أقوى مما هو عليه الآن حال إجراء أي انتخابات مبكرة، كما سيصبح تشكيل الحكومة أكثر صعوبة.