"سايبركوندريا": عندما يتحول البحث عن معلومات طبية على الإنترنت إلى قلق مرضي -
5.04.2026, 13:00
من: ماركو كريفتينج
كارلسروه 5 أبريل/نيسان (د ب أ) - لم يعد البحث عن الأعراض المرضية عبر الإنترنت سلوكا عابرا لدى كثيرين، بل تحول لدى بعضهم إلى مصدر قلق متصاعد قد يقود إلى اضطرابات نفسية. يطلق خبراء على هذه الظاهرة مصطلح "سايبركوندريا" - وهو مصطلح مُركّب من كلمتي (cyber) "إلكتروني" و(hypochondria) "وهم المرض". وبمناسبة يوم الصحة العالمي الموافق 7 أبريل/نيسان، يؤكد الخبراء أن هذه الظاهرة ليست مرضا بحد ذاتها، بل نمط سلوكي قد يتطور إلى مشكلات صحية.
يشرح هايكو جراف، مدير عيادة الطب النفسي والعلاج النفسي في مستشفى كارلسروه الألماني، أن هذه الحالة تقوم على خوف غير مبرر أو تضخيم لاحتمال الإصابة بأمراض خطيرة نتيجة التعرض المكثف لمحتوى صحي على الإنترنت. وقد تتفاقم الحالة لتصل إلى الاكتئاب أو اضطرابات القلق المرضي، الذي يمثل أقصى درجة لهذا النوع من المخاوف.
وبحسب دراسة لجامعة ماينتس الألمانية، فإن نحو 6% من السكان في ألمانيا يعانون من قلق شديد بشأن حالتهم الصحية، مع اتجاه تصاعدي خلال العقود الثلاثة الماضية، بحسب جراف، الذي أشار إلى أن الفئة العمرية دون 35 عاما تعتبر الأكثر عرضة لهذا القلق، نظرا لاعتمادها على الإنترنت بصورة أكبر ممن هم فوق 80 عاما، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن اضطرابات القلق غالبا ما تتشكل في مراحل مبكرة من الحياة.
ولا يقتصر الأمر على عامل العمر، إذ يكون الأشخاص الذين لديهم مستوى مرتفع من القلق العام أو صعوبة في التعامل مع الغموض أكثر قابلية للتأثر. وتفيد دراسات بأن البحث عن الأمراض عبر الإنترنت يؤدي إلى زيادة القلق لدى نسبة تراوح بين 30% و50% من المستخدمين، بحسب جراف.
وفي سياق متصل، أظهر استطلاع أجراه معهد "فورسا" لقياس مؤشرات الرأي بتكليف من شركة التأمين الصحي الألمانية "كيه كيه إتش" أن 91% من المشاركين سبق أن بحثوا عبر الإنترنت عن معلومات صحية تتعلق بأمراض أو أعراض كانوا يعانون منها أنفسهم أو غيرهم، بينما أشار نحو ثلثهم إلى أنهم استغنوا عن زيارة الطبيب نتيجة لذلك. كما أفاد 13% بأنهم أجروا تشخيصا ذاتيا مرة واحدة على الأقل، وترتفع النسبة إلى 20% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و34 عاما.
تقول إيزابيلا فينك، اخصائية علم النفس في شركة "كيه كيه إتش": "البحث عن الأمراض وأعراضها عبر جوجل ليس أمرا خاطئا في حد ذاته، بل إنه في معظم الحالات يُحسّن الوعي الصحي لدى الفرد، شريطة أن تكون المعلومات موثوقة ومحدثة".
وأوضحت فينك أن المخاطر تظهر عند الاستخدام المفرط، خاصة لدى من لديهم مخاوف مسبقة من أمراض خطيرة أو مستعصية، مشيرة إلى أنه في مثل هذه الحالات قد يتحول البحث إلى حلقة مفرغة من القلق، تعرف أحيانا بـ"مرض جوجل"، حيث يقضي المصابون ساعات طويلة في تصفح المعلومات، ويميلون إلى أسوأ التفسيرات، ويضخمون الأعراض وصولا إلى تشخيصات ذاتية مبالغ فيها.
يقول جراف: "لا تكمن المشكلة في البحث العرضي عبر الإنترنت عن معلومات حول الأمراض، بل في أن هذا البحث قد يتطور إلى اضطراب قلق وخوف مرضي... في مرحلة ما، يكتسب البحث عن الأمراض طابعا قهريا. وغالبا ما يعاني المتأثرون من ضغط نفسي، لكن الآخرين ينبهونهم في كثير من الأحيان إلى أن مخاوفهم غير مبررة".
وأشار جراف إلى أن الأطباء على سبيل المثال قد يلاحظون أن مريضهم قد استشار العديد من الأطباء مسبقا ويشكك مرارا في نتائج فحوصات طبيعية، مضيفا أنه غالبا أيضا ما يلاحظ المقربون هذا النمط السلوكي غير المعتاد.
ويرى جراف أنه لا يوجد ما يمنع من حيث المبدأ من استخدام الإنترنت في الاستفسارات الصحية، غير أنه أشار إلى أن الأطباء يضعون في اعتبارهم عند التشخيص أيضا عوامل الاحتمال، مثل مدى شيوع مرض معين في سن محددة، وقال: "غالبا ما يغيب هذا السياق عند البحث في الإنترنت عن أعراض منفردة. وعندها قد ينتهي الأمر، خلال ثلاث نقرات فقط عند البحث عن الصداع، إلى الاشتباه في ورم دماغي، رغم أن صداع التوتر أو الشقيقة هو التشخيص الأكثر احتمالا بكثير".
كما يحذر الخبير من أن ما لا يقل عن 40% من المحتوى الصحي على الإنترنت غير مُوثّق أو حتى غير صحيح، موضحا أن مراجعة منهجية لعشرات الدراسات أظهرت أن هذا ينطبق بشكل خاص على المعلومات المتعلقة بالسرطان.
ويرى جراف أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل "شات جي بي تي" تمثل إشكالية أيضا، لأنها قد تعتمد بدورها على محتوى غير موثوق على الإنترنت. وتقول فينك أيضا: "المعلومات على الإنترنت متفاوتة جدا من حيث الجودة"، مضيفة أن المتخصصين فقط هم من يستطيعون تفسير هذا الكم من النتائج وتصنيفه بشكل صحيح.
ويمكن مساعدة المتضررين من خلال العلاج النفسي، ونادرا هنا ما يتم اللجوء إلى الأدوية، بحسب جراف، الذي أوضح أنه من خلال العلاج السلوكي يمكن تحقيق تقدم كبير خلال نحو 25 جلسة، وأضاف: "من المهم في البداية عدم الدخول في جدال مع المريض حول عدم إصابته بمرض جسدي، بل تزويده باستراتيجيات تساعده على التعامل مع القلق".