قطاع الموضة الألمانية تحت ضغط حالات الإفلاس وتنامي المنافسة الآسيوية

23.02.2026, 13:30

من: كريستيان روتنبرج

برلين 23 فبراير/شباط (د ب أ)- لم يزعج طقس يناير/كانون الثاني البارد في ألمانيا الجميع؛ فقد أقبل الكثيرون على شراء السترات والأوشحة والقبعات، مما أرضى على الأقل بعضا من تجار التجزئة العاملين في قطاع الموضة. ومع ذلك، فإن هذا الرواج الموسمي لا يمكنه إخفاء المشاكل التي يواجهها القطاع، والمتمثلة في اقتصاد العملاء في الشراء، وتكاليف التشغيل الباهظة، والبيروقراطية، والمنافسة المتزايدة من جانب التجار الآسيويين؛ والقائمة تطول.

ورسم "اتحاد تجارة التجزئة الألماني للمنسوجات والأحذية والمنتجات الجلدية"، والمعروف اختصارا بـ "بي تي إي" صورة سلبية لنتائج عام 2025، مع نظرة مستقبلية تكاد تخلو من التفاؤل. ويبدو الوضع متوتراً بشكل خاص في المتاجر التقليدية (الثابتة)؛ حيث أظهر استطلاع أجراه الاتحاد أن نصف متاجر الملابس تقريبًا تكبّدت خسائر تشغيل في العام الماضي.

وصف رئيس الاتحاد، مارك راوشن، هذا التطور بأنه "مأساوي"، محذراً من خطر انهيار هياكل التجارة والإمداد التقليدية بشكل نهائي، وقال: "يجب وقف فناء قطاعنا"، واصفاً الوضع بأنه "سيناريو رعب".

وفقاً للاتحاد، حققت المتاجر التقليدية (الثابتة) والتجارة عبر الإنترنت مبيعات من الملابس في ألمانيا بلغت حوالي 1ر57 مليار يورو في عام 2025. ورغم أن هذا يمثل زيادة اسمية بنحو 1% مقارنة بالعام السابق، تكشف الحسابات بعد تعديلها وفقا لحركة الأسعار (التضخم) أن هذه المبيعات سجلت انخفاضا (حقيقيا) بنسبة تقارب 2%. وجاء التراجع أكثر حدة في تجارة الأحذية، التي بلغت مبيعاتها قرابة 5ر11 مليار يورو.

كان أداء التجارة عبر الإنترنت أفضل بكثير من المتاجر التقليدية، حيث انتقل بيع الموضة والإكسسوارات بشكل قوي إلى الشبكة الإلكترونية، وأصبحت التجارة الإلكترونية تستحوذ بالفعل على أكثر من 40% من المبيعات، ولا يحقق أي قطاع آخر مبيعات أعلى من ذلك عبر الإنترنت.

وتعتبر المنصات الآسيوية مثل "تيمو" و"شي إن" من العوامل التي تقف وراء هذا النمو. ويقدر اتحاد "بي تي إي" أن هذه المنصات تسببت في خسارة القطاع في ألمانيا لإيرادات بنحو ثلاثة مليارات يورو في ألمانيا العام الماضي. ورغم الانتقادات الموجهة لهذه المنصات من قبل ممثلي التجارة وحماة المستهلك بشأن جودة المنتجات، وقصور الرقابة عليها، وظروف المنافسة غير العادلة، فإن الكثير من المستهلكين في ألمانيا يتسوقون منها بانتظام، يدفعهم في ذلك الأسعار الزهيدة بالدرجة الأولى.

نتيجة لذلك، يتعرض أصحاب محال تجارة التجزئة التقليدية (الثابتة) بشكل خاص لضغوط، ولجذب الزبائن والحفاظ على القدرة التنافسية، تضطر الشركات إلى الاعتماد على حملات الخصم، حتى لو كان ذلك على حساب الربح. والنتيجة كانت موجة تخفيضات دائمة بدا وكأنها لا تنتهي وذلك خلال موسم الأعمال المهم في نهاية العام الماضي، وامتد هذا الوضع ليشمل يناير الماضي أيضا، وترجع هذه الظاهرة أيضاً إلى امتلاء المخازن وحاجة التجار إلى توفير مساحة للمجموعات الجديدة.

ثمة مشكلة أخرى ترافق القطاع في عام 2026، فالكثير من العملاء يتسوقون بحذر واقتصاد، خاصة عندما يتعلق الأمر بالملابس. ووفقاً لاستطلاع ممثل أجراه معهد أبحاث التجارة "آي إف إتش" في مدينة كولونيا غربي ألمانيا، يعتزم 45% من المشاركين تقليل نفقاتهم على الموضة والإكسسوارات في المستقبل القريب. أما في مجالات أخرى مثل السكن والتأثيث أو الترفيه والهوايات، فجاءت نسب العازمين على تقليل نفقاتهم أقل من ذلك.

تقول كارينا هابكه، خبيرة القطاع في المعهد: "ينظر المستهلكون بشكل متزايد إلى الموضة باعتبارها مجالًا تقليديًا لتوفير النفقات". وتضيف أنه عندما يتم إنفاق المال بقدر أكبر من الوعي، فإنه يُوَّجه في الأغلب نحو الترفيه أو الرياضة، مشيرة إلى أن السبب في ذلك هو نمو الوعي بالاستدامة والصحة؛ حيث يفضل الكثيرون استثمار أموالهم في الأغذية العضوية أو المنتجات المحلية أو السلع المعمرة بدلاً من شراء ملابس جديدة بانتظام.

وبدوره، يفترض رولف بانجلز، المدير التنفيذي لاتحاد "بي تي إي" أن المستهلكين يميلون إلى اقتصاد النفقات على الملابس أكثر من اقتصاد النفقات على الرحلات، وقال:" العطلات توفر مهربًا من ضغوط الحياة اليومية والهموم، وهذا ما يبحث عنه كثير من الناس حاليًا بشكل متزايد".

وبناء على ذلك، جاءت التوقعات لعام 2026 فاترة؛ فبحسب استطلاع أجراه اتحاد "بي تي إي" وشمل أكثر من 200 تاجر تجزئة في مجال الموضة، أعرب ثلث هؤلاء التجار عن تخوفهم من انخفاض المبيعات بنسبة 1% أو أكثر. وفي قطاع الملابس، لم تتجاوز نسبة الشركات التي تتوقع تحقيق زيادة ملحوظة في العام الحالي سوى شركة واحدة فقط من كل ثلاث شركات، وفي قطاع الأحذية، وصل هذا المعدل إلى شركة واحدة فقط من كل ست شركات.

وأصبح الوضع متوترا بالنسبة للعديد من الشركات، حيث ثارت ضجة بعد إعلان شركة "زالاندو" مؤخراً عن إغلاق المركز اللوجستي التابع لها في مدينة إرفورت شرقي ألمانيا، والذي يعمل به 2700 موظف، كما أعلنت شركة "كيك" لبيع المنسوجات بالخصم في سبتمبر/أيلول الماضي أنها ستغلق متاجرها غير المربحة، ولا يزال العدد الدقيق غير واضح.

وبالنسبة لشركات أخرى، بات الوضع يهدد وجودها. ويقول باتريك-لودفيج هانتش، رئيس أبحاث الاقتصاد في مؤسسة "كريديتريفورم" المتخصصة في الخدمات والمعلومات الائتمانية وتحليل البيانات الاقتصادية:" واصلت حالات الإفلاس في تجارة الموضة والملابس تفاقمها خلال عام 2025". ومن بين حالات الإفلاس البارزة التي حدثت مؤخرًا كان إفلاس شركة الموضة "جيري فيبر"، وشركة الأحذية "جورتس"، وشركة الموضة "كلوزد" كما تقدمت شركة تصنيع القمصان "إتيرنا" بطلب لإشهار إفلاسها. وفي يناير/كانون الثاني الماضي، فشلت عملية إنقاذ شركة "فورملاند" المفلسة للملابس الرجالية.

ولا يتوقع هانتش حدوث تحول في الاتجاه خلال 2026. فمن المرجح أن تستمر حالات إشهار الإفلاس، خاصة بين الشركات التي لديها كثافة عالية من الفروع، واحتياطيات سيولة محدودة، والتي تفتقر إلى هوية تجارية أو لديها هوية قديمة.

ومنذ سنوات يتراجع بالفعل عدد شركات تجارة الملابس في ألمانيا؛ ففي عام 2010 كان هناك نحو 22 ألف و900 شركة على مستوى البلاد، بينما لم يتبقَّ منها في 2025 سوى ما يقرب من 12 ألف و50 شركة. كما تراجع عدد تجار الأحذية في ذات الفترة من 5000 تاجر إلى نحو 2450 تاجر، ويمكن لكلمة تاجر هنا أن تعني تاجرا مستقلا بذاته أو شركة كبيرة لها العديد من الفروع.